الخطاب الثالث: التغافل

الخطاب الثالث:التغافل
لو تخيلت ان حد ركب كاميرا فيديو تراقبك طول اليوم.. تسجل كل اللي بتعمله.. وبعدين اتفرجت على الفيديو..هتلاقي ايه؟ هتشوف ايه؟ شعرك منكوش؟ او لبسك مكرمش؟ او ماشي حافي؟ او قاعد وحواليك كركبة؟ او كوباية الشاي اللي شربتها على حالها من قبلها بيوم؟ الكاميرا هاتسجل حاجات..اكيد مش كل حالك ملغبط ولا كل تصرفاتك طول اليوم غلط.. انما يا ترى حالك هيبقى ايه لو الكاميرا بتسجل الغلط وبس؟ وكمان بتلغي الصح؟ وكمان بتضخم الغلط؟ وكمان بتعلق عليه؟ وكمان بتعلق عليه بنبرة صوت سلبية عصبية او مستهزئة؟ وكمان بتعلق عليه قدام غيرك؟ هاتحس بإيه؟ تجاه نفسك وتجاه الكاميرا..؟
عزيزي الأب وعزيزتي الأم..
عزيزي الجد او الجدة..
احنا الكاميرا.. اللي في كتير من الوقت بتعمل كده مع المراهق.. تعليق ولا اجدع معلق كوري.. تعليق دائم من ساعة ما المراهق يصحى لحد ما ينام، واحيانًا تعليق على نومه أثناء نومه، تعليق بالهجوم والتهكم والإشمئزاز ان اخطاؤه تكاد تسجل في قائمة جينس لأطول عدد من الأخطاء اللي ممكن لإنسان يسلكها..
واخبار المراهق دي ايه مع الكاميرا؟ نفس اخبارنا لو احنا اللي بتراقبنا كاميرا كده… هانتمنى لو فيه زرار نفصلها.. لو نوقفها.. لو نعطلها.. مش هانتمنى نحسن نفسنا علشان الكاميرا تسجل حاجات حلوة..بالعكس… هانتخنق من نفسنا ومن الكاميرا ونفقد الرغبة في التحسن..
فيه ناس مع السطور دي هاتسأل هاتي من الأخر يا إيمان.. عايزة تقولي ايه؟
عايزة اقول ان خطابي النهاردة هو عن التغافل.. فن التغافل… محتاجين له كأولياء أمور لمراهقين..
فيه حاجات تافهة او بسيطة هاتغافل عنها.. هاطنشها.. وفي حاجات مهمة هاختار ما اتكلمش عنها دلوقتي.. وفيه حاجات محورية مش هافوتها..
مثلًا ابني بيتكلم بصوت عالي مع حد كبير او بيكذب.. موضوع مش هاتغافل عنه..
ابني بياكل حلويات زيادة عن العادي .. موضوع هاجل الكلام فيه علشان احنا في فترة غير عادية وهو متأثر..
ابني ماشي حافي او ما رجعش كوياية العصير في المطبخ.. اطنش..
ليه؟ علشان ما يفضلش يحوش في نفسه مشاعر مقاومة ورفض وغضب تجاه الكاميرا – اللي هي حضرتي وحضرتك
علشان انا نفسي طاقتي وسلامي النفسي محتاج احافظ عليه.. فمش كل غلط اضخمه..
علشان اطبق مقولة عجبتني قوي لما قريتها وباطبقها بتقول
“Choose your battles.”
يعني اختار تتضايق من ايه، امتي وقد ايه؟
المشي حافي ممكن ابص لإبني بس.. الطبق او الكوبايا اللي ما رجعتش ممكن اشاور عليها وانا باقول رجعها دلوقتي او رجعها قبل ما تنام.. الكذب هاتكلم على طول وممكن الغي ميعاد او اتأخر على الغدا.. ليه؟ لأن الكذب تبعاته عليه كإنسان وعلى ثقتنا فيه كأسرة وعلى علاقته بأصحابه وزمايله وعلاقاته بالمجتمع تبعات وخيمة وبالتالي مش هاطنش..
“التبعات” هي كلمة السر..
اختار معاركي مع ولادي المراهقين..
واسأل نفسي يا ترى تبعات الغلط اللي مش عاجبني ايه؟
ايه التبعات عليه وعلينا وعلى علاقاته مع اصحابه وزمايله وعلى المجتمع؟
واسأل نفسي هل فعلًا دي تبعات حقيقية ولا انا مضخم الأمو و مأفواراتي؟
واسأل نفسي هل السلوك اللي مش عاجبني غلط محض؟
غلط بالنسبة لمين؟
فيه بعض المجتمعات مثلًا افرادها بيمشوا حافيين علشان يتواصلوا مع الأرض ويفرغوا شحنات سلبية.. بالنسبة لهم لبس الجزمة والشبشب غلط.. وبالنسبة لكتير مننا المشي حافي غلط..
عزيزي الأب وعزيزتي الأم..
المراهق في العادي محتاج فن التغافل لأنه بسبب نموه وعدم استقرار الهرمونات في المرحلة دي هو اصلًا بيبقى عنده احساس ان “فيا حاجة غلط” فمش محتاجين نأكد عنده ده.. محتاجين نتغافل ونختار معاركنا.. ونتلكم بصوت محترم عاقل.. ويا ريت في مكان بيحترم الخصوصية علشان نحافظ على احترامه لنفسه وسط باقي اهل البيت..
والمراهق في زمن الكورونا محتاج جرعتين تلاتة من فن التغافل..
قوم يا مصري مصر دين واجب عليك..
قوم يا مصري.. مصر هاتقوم بتشجيعك لقرة عينيك..
قوم يا مصري ولادك كنز مصر..ولادك كنز مصري..
بدل ما تهدمه بايديك.. تغافل عن الغلطات البسيطة ابوس ايديك..

#مراهق_في_زمن_الكورونا

Share